محمود ماضي

117

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

المبحث الثاني الأخذ عن ورقة بن نوفل منابع الوحي إلى محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » في الرؤية الاستشراقية : دأب أهل الكتاب قديما ، وخلفهم المستشرقون حديثا على الطعن في الوحي إلى نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، باتهامه : أنه تعلم من غيره ، ثم من هذا الذي جمعه من هنا وهناك لفق الدين الذي جاء به ، فزعمت النصارى أنه تعلم من ورقة بن نوفل ، والراهب بحيرى ، وزعمت اليهود أنه تتلمذ لعبد اللّه بن سلام ، وأنه قرأ التوراة والإنجيل ونقل عنهما ، وردد كثير من المستشرقين - محدثين ومعاصرين - هذه الافتراءات . وسوف نرى في الصفات التالية نماذج من هذه المزاعم ثم نأتى عليها مفندين ، لنظهر ما فيها من تهافت وما تنطوى عليه من بطلان . الأخذ عن ورقة بن نوفل : ذهب المستشرق « إميل درمنغام » إلى أن محمدا التقى « بورقة بن نوفل » وأخذ عنه أصول دينه ، وحاذاه المستشرق المعاصر « مونتجمرى واط » حذو النعل بالنعل ، وإن حاول أن يجعل كلامه محبوكا بقدر الإمكان . كلام « واط » عن الأثر العلمي لورقة مبنى على شكه في أمية الرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » وقد كان يكفينا ذلك في إبطال شكوكه ، لأنه بانهيار فروضه وشكوكه حول أمية محمد ، ينهار زعمه الأخذ عن ورقة ، غير أننا آثرنا تناول هذه الفرية كما عرضها ، لأن تناوله لها كان فجا ، قبيحا في افتراءاته ، ففي تناوله لموضوع الأمية حاول التدثر بالمنهجية تارة وبالدقة أخرى ، غير أنه هنا لم يراع لا دين ولا مشاعر للمسلمين . يتحدث « واط » عن المنابع الرئيسية للوحي إلى نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » فيؤكد على ارتباط محمد ، من خلال زوجته خديجة بورقة ، ثم ذهب يستنتج ، وليت استنتاجه خضع لأبسط القواعد المنهجية . يقول صاحب « محمد في مكة » : كانت خديجة « ابنة عم رجل يدعى ورقة بن نوفل بن أسد ، وهو رجل متدين اعتنق أخيرا المسيحية . ولا شك أن خديجة قد وقعت تحت تأثيره ، ويمكن أن يكون محمد قد أخذ شيئا من حماسه وآرائه » « 1 » . أما عن تنصر ورقة فأمر ثابت في كتبنا الصحاح ، جاء في أسد الغابة : « خرج زيد

--> ( 1 ) - واط : محمد في مكة ص 74 - 75 .